خليل الصفدي
452
أعيان العصر وأعوان النصر
الشمس تدنو منها ، لما حازته من الحسن البارع ، والجمال الذي لم يقرع السمع بمثله قارع ، تثنّى ولا غصن بانة وريق ، وتبسّم ولا قلادة جوهر في سفط عقيق ، وترنو بعين ما نفث السحر إلّا من جفونها المكحّلة ، ولا فتكت القواضب إلّا من فترتها المفحّلة ، وجهها يشبه البدر لولا كلفه ، ورائيها يحيا بنظرها إلّا أنه يؤدّيه إلى ما فيه تلفه . أخبرنا الخواجا مجد الدين السّلّامي ، قال : لم يكن في الأردو لها نظير ، وإذا خطت ، قلت : هذا غضن ، والقلوب عليه تطير ، وكان لها في الممالك القانيّة الأحكام النافذة ، والمراسيم التي إذا برزت كانت على الأرواح آتية وبالأنفاس أخذة ، ولها هي من النساء وزيرة أيضا تحكم حكم الوزير ، وتتحدث فيما تشاء من الجليل والحقير ، وتركب بغداد في موكب حفل من الخواتين ، وتشدّ في وسطها السيف ، ولكل نوين إليها رحلة الشتاء والصيف ، ونفذت أحكامها وجالت ، ومضت أوامرها وصالت ، وهرب منها علي باشا خال بو سعيد ، ولم يقرب الأردو ؛ خوفا منها ، فهو بقرابته لذلك بعيد ، ولم تزل على ما هي فيه من الحكم ، وخدّ الأردو بها مورّد قان ، والناس تحت أوامرها ، وكيف لا وهي تحكم على نفس القان ، لا يأخذه فيها لومة لائم ، ولا يسمع فيها عذلا ، ولو كان من أسجاع الحمائم ، إلى أن مات القان بو سعيد ، وتولّى القان أربكوون - المقدّم ذكره - فأغصّها بريق حسامه ، وجعل فمها بالدم وردة ، بعد ما كان كالأقحوان في ابتسامه ، وذلك في سنة ست وثلاثين وسبعمائة ، وكانت كثيرة التنقيب على أخبار أخيها تمرتاش . أخبرني من لفظه الخواجا مجد الدين السّلّامي ، قال : لما كنت بالأردو ، وعزمت على الحضور إلى خدمة السلطان ، دخلت عليها أخدمها وأودّعها ، فقالت : يا خواجا سلّم على السلطان ، وقل له أنا ابنته وجاريته ، وأشتهي ألا يخبراني عن حاجة ، فأنت ترى تصرّفي ، وأمري في الأردو والممالك ، فلا يكن يطلب حاجة من غيري ، قال : فضربت لها جوكا « 1 » ، ودعوت لها ، فقالت : يا خواجا أريدك تطلب أخي من السلطان حتى أراه ، قال : فضربت لها جوكا ، وبهتّ حيرة لا أدري ما أقوله ، ثم ألهمني اللّه أن قلت : واللّه يا خوندكار ما أنا قدر هذا الكلام ، هذا ما يتحدث فيه إلّا قان كبير مثله ، فقالت : صدقت ، إلّا يا خواجا ما يجيء أحد من عندكم ، وأسأله عن أخي ، فيقول : إنه رآه ، فقلت : يا خوندكار لما خرج أخوك إلى المسلمين قال له السلطان : أي البلاد تريد ؟ حتى أعطيك ، فخاف أن يطلب دمشق أو حلب ، أو غيرهما من هذه البلاد التي هي قريبة إلى هذه البلاد ، فيتّهمه أنه
--> ( 1 ) جوكا : أي موعدا حتى يخبرها عن مكان أخيها ، أو يسأل عنه أولو الأمر وعندما جاء الموعد اعتذر لها بأنه أقل من أن يتكلم في هذا الموضوع .